ابن أبي الحديد
65
شرح نهج البلاغة
الجماعة وقطع الرحم ، فقال عمرو : من هو ؟ قال : علي قال : والله يا معاوية ما أنت وعلي بحملي ( 1 ) بعير ، ليس لك ( 2 ) هجرته ولا سابقته ، ولا صحبته ولا جهاده ، ولا فقهه ولا علمه . ( 3 ) ووالله إن له مع ذلك لحظا في الحرب ليس لأحد غيره ، ولكني قد تعودت من الله تعالى إحسانا وبلاء جميلا ( 3 ) ، فما تجعل لي إن شايعتك على حربه ، وأنت تعلم ما فيه من الغرر والخطر ؟ قال : حكمك ، فقال : مصر طعمة . فتلكأ عليه معاوية . قال نصر : وفي حديث غير عمر بن سعد : فقال له معاوية : يا أبا عبد الله ، إني أكره لك أن تتحدث العرب عنك أنك إنما دخلت في هذا الامر لغرض الدنيا ، قال عمرو : دعني عنك ، فقال معاوية : إني لو شئت أن أمنيك وأخدعك لفعلت ، قال عمرو : لا ، لعمر الله ما مثلي يخدع ، لأنا ( 4 ) أكيس من ذلك ، قال معاوية : أدن مني أسارك ، فدنا منه عمرو ليساره ، فعض معاوية أذنه ، وقال : هذه خدعة ! هل ترى في البيت أحدا ليس غيري وغيرك ! قلت : قال شيخنا أبو القاسم البلخي رحمه الله تعالى : قول عمرو له : " دعني عنك " كناية عن الالحاد ، بل تصريح به ، أي دع هذا الكلام لا أصل له ، فإن اعتقاد الآخرة . أنها لا تباع بعرض الدنيا من الخرافات . وقال رحمه الله تعالى : وما زال عمرو بن العاص ملحدا ، ما تردد قط في الالحاد والزندقة ، وكان معاوية مثله ، ويكفي من تلاعبهما بالاسلام حديث السرار المروي ، وأن معاوية عض أذن عمرو ، أين هذا من سيرة عمرو ؟ وأين هذا من أخلاق علي ع ، وشدته في ذات الله ، وهما مع ذلك يعيبانه بالدعابة !
--> ( 1 ) في كتاب صفين : " بعكمي بعير " ، والعكمان : عدلان يشدان على جانبي الهودج . ( 2 ) في صفين : " مالك هجرته " . ( 3 - 3 ) وقعة صفين : " والله إن له مع ذلك حدا وجدا ، وحظا وحظوة ، وبلاء من الله حسنا " . ( 4 ) كذا في ب ، ج ، وفي أ : " لأني " .